رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

341

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

على الإفاضة والإحداث - وإن كانت قد تطلق على المشيّة أيضاً - كان أصوبَ . فإن قلت : إنّا نجد مشيّتنا معنى مترتّباً على علمنا بالنافع والأصلح ، لا نفسَ العلم ؟ قلنا : المعنى المترتّب على العلم فينا - معاشرَ المخلوقين - ليس إلّاالحركة الميلانيّة وهيجان الشوق والهمّ والقصد ، ومعلوم امتناع أمثال هذه في حقّه تعالى ، فالمترتّب على العلم بما له أهليّة الكون من جهة عدم المنافاة للحكمة والجبروت لا يعقل هناك سوى فيضان الكون من الجود المطلق الغير المعلّل ؛ أعني الإرادة بمعنى الإحداث . نعم ، فرق اعتباري بين العلم والمشيّة هناك من جهة التعلّق ؛ فإنّ متعلّق العلم بما هو علم أعمُّ ممّا ينافي الحكمة وما لا ينافيها ، وبما هو مشيّة مختصّ بما لا ينافيها ، وهذا لا يوجب الترتّب . فإن قلت : فما تقول في الخبر الوارد : « إنّك تقول : سأفعل كذا إن شاء اللَّه ، ولا تقول : سأفعل كذا إن علم اللَّه ؟ » . قلنا : إنّ المعلوم بما هو معلوم ليس واجبَ الإفضاء إلى الكون ، وإلّا لكان كلُّ ما عُلم ، والحال أنّ الأخبار صريحة في الكافي وغيره أنّ اللَّه يعلم ما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون ، بل بما هو نوع خاصّ من المعلوم ، وهو ما لا ينافي الحكمة ، والعلم بمثله مشيّة ، فيصحّ أنّ ما شاء اللَّه هو الكائن ، لا مطلق ما علم اللَّه ، فكأنّه يقول : إنّي سأفعل كذا إن كان ممّا علمه اللَّه متّصفاً بأنّه لا ينافي الحكمة ، لا مجرّد أنّه ممّا علمه اللَّه . فإن قلت : إنّ ما روي أنّه تعالى علم وشاء وأراد ، وهذا يؤذن بأنّ المشيّة مترتّبة على العلم . قلنا : لو توسّطت الفاء وقيل « علم فشاء » لكان ما قلت له وجه ، وكذلك لفظة « ثمّ » كما في قوله عليه السلام : « لم يزل اللَّه عالماً قادراً ثمّ أراد » وغاية ما يقتضيه الواو إثبات معنيين متغايرين ، ويكفي في المغايرة كون أحدهما أخصَّ من الآخَر ، وما قاله السيّد الفاضل قدس سره - من أنّه تعالى بذاته مناط لصحّة الإرادة وصحّة عدمها - فالظاهر أنّ مطمح نظره مرتبة الهويّة التي لم يلاحظ فيها تعيّن الأسماء والصفات وتعيّن الممكنات وحالها بالنسبة إلى الحكمة الكاملة باعتبار المضادّة وعدمها .